مقدمة نرجسية : كتبنا هنا منذ عام أو يزيد عن أن هناك إعصار سيضرب أميركا
على غرار أعاصير كاترينا وريتا اسمه باراك أوباما.. وحين سألونا من نختار رئيسا لمصر بعد حسني مبارك، أجبنا : باراك أوباما..!!ولم يكن في ذلك خيانة عظمى ولا تخاذلا ولا انبطاحا، انما غيرة من بلد وهبها الله من يجدد فكرها، بينما نحن قابعون في بئر التفاهة
أما بعد..
لقد كانت حكمة الله في كتابة العزيز، وسنة نبيه الكريم، أنه : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا، ولأن الله لن يبعث رسولا من بعد محمد عليه الصلاة والسلام، فكان البديل في اعتبار العلماء ورثة الأنبياء.. وفي رأينا المتواضع أن العلماء ليسوا هم الجالسون في معاملهم أو في قاعات الدرس فقط، بل هم من ينقل ما في داخل المعامل وقاعات الدرس إلى الشارع، أي أن العالم هو من يجدد الأمة ويحييها، لذا فأنبياء اليوم هم من يقتفون أثر الأنبياء المصلحين قديما
ولما كان الاصلاح وما يتبعه من حكمة وهداية هي امور تقف في حلوق البشر، وتعوق مصالح المنتفعين، فكان رسوخ تلك السُنة الرديئة القديمة في ان يُضطهد الأنبياء أو يقتلوا قبل أن تشيع أراءهم بين الناس، وهكذا جرت العادة مع من يقومون مقامهم من علماء وحكماء، منذ سقراط إلى الأن
**
لقد قال باراك أوباما منذ أكثر من عام تقريبا وهو يروج شعار التغيير الذي اختاره لحملته الانتخابية، ان مسعاه وهدفه الرئيس يتمثل في إرجاع الفضل لأهله، وأضاف أن هناك من يكافأ في أميركا لمجرد أنه مشهور أو غني أو ظريف أو حتى سمين... لذا فهو يبحث عن أن يصل الفرد الأميركي إلى أن يسأل ان كان نافعا ام لا، وأن يكون هذا هو معيار التقييم تلك الكلمات، أوقعتني اسيرا لاوباما، فهذا الرجل إن صدق، سيكون أهم راديكالي ظهر في العقود الأخيرة، وسينضم إلى فئات من نوعية الأباء المؤسسين، والمصلحين المغيرين في مجتمعاتهم
**
ما الذي يجب أن يغيره أوباما؟
لقد راج في أميركا خلال الحقبة البوشية بوضوح حالة من الغباء، دفعت الأميركيين إلى إظهار سذاجتهم، حتى أصبح الساذج المعادي للفكر هو النموذج الأشهر، وتبع ذلك إضفاء القداسة على رموز هذا التيار من نجوم المجتمع الذين لا يفعلون شيئا سوى تقديم مادة للاستهلاك الاعلامي، وأضحت أخبار بريتني سبيرز وتفاهاتها هي وزميلاتها باريس هيلتون وغيرهما من نجوم البوب هي الأخبار الأكثر متابعة، وأصبح الأميركي الضحل الذي يؤيد العراق دون أن يعرف مكانها على الخريطة هو المواطن الصالح، وأصبح الرئيس الأميركي هو أيضا رمز الغباء بما رسمه لنفسه من ملامح تظهره كراعي بقر طيب عفوي غيور ضيق الأفق، وأصبحت تلك السمات هي الأكثر رواجا في اميركا هذه القيم هي ما يجب على أوباما بشعاره المزعوم أن يواجهها.. فأميركا بلد قام على الأفكار، أميركا بلد أسسها فلاسفة وقانونيون ومنظرون من الدرجة الأولى، فهل تستسلم روح هؤلاء وتتوارى أمام روح المغامر راعي البقر قليل العلم، ضعيف الرؤية؟
لقد جمع الرجل مخاوف أميركا، فهو باراك ـ(حسين)ـ أوباما، الذي يمجد الصليب، وهو الأسمر ابن البيضاء، وهو الأميركي ابن العالم الثالث، لقد جاء التغيير ليودع التفاهة والسذاجة والانغلاق، إلى طموح من يؤمنون بأميركا كقيمة وهوية، لا من يحتكرونها
لماذا سيُقتل أوباما؟
ولماذا يقتل الأنبياء والمصلحون؟ قد يمر مار من هنا ويدعي بسذاجة أنني رفعت أوباما إلى مصاف الالهة والقديسين، لكني سأصادر على هذا القول الذي لم يقال بعد، وأقول أنني ألعب مع وعد أوباما، وأفكر في النبي المصلح الذي لم يظهر بعد في وطني، وأداعب خيالا نسى الأنبياء والأديان والمصلحين، وسحقت قدراته تحت ضغط الفساد المنتشر حوله، إن الاهتمام بأوباما هو الاهتمام بالأمل الذي فقد في مصر وبدأت تظهر بوادره في أميركا
قد تقلق أسرة أوباما عليه، وقد يخشي البعض من هلاك أول رئيس ملون، لكن.. مقتل أوباما لن يكون بسبب ألوان، بل بسبب سعي أهل السذاجة والتسطيح و أصحاب المكاسب من العهد السابق إلى قهر هذه الدعوة.. فهناك في أميركا من يريد رواج الشعبوية التي تبقى شباب أمتهم في العراق، والتي تحرك الخوف داخل نفوس الشعب فيسهل السيطرة عليه، وهي التي تمارس عملها بسذاجة، وهي التي أعطت الشهرة للتافهين كي يسوق الاعلام صناعته **
رجل الأمة
في الوقت الذي يتحول فيه أوباما لدى البعض إلى أمل لإصلاح ما فسد، وإعادة العقل إلى الأميركيين، بعيدا عن خرافات الرئيس الملهم بوش، نجد بلادنا تخطو بتهور نحو نفس المأزق الأميركي، المأزق الذي يولد حالة من التواطؤ غير المدبر بين الاعلام والجماهير والسلطة السياسية، تواطؤ يهدف إلى أن يكون الكلام المباح بين هذا المثلث هو الكلام التافه، وأن تتحول القضايا الكبرى إلى فرقعات، وأن تعلو قيمة الهوس بالاعلام وصناعة النجم على تكريم المفيد وإظهار النافع، نحن الآن في مصرنا الحبيبة، بدأنا في لعبة قذرة يتحالف فيها الإعلام مع الجمهور مع السلطة السياسية، الجميع يتواطأ على عدم مواجهة المشاكل، وعدم البحث في جذورها مؤمنين في ذلك بأنه لا يوجد حل، وان نقل القضية إلى قضية أخرى وتسطيحها هو الراحة للجميع
ـ بمعنى أن نجد في حملات تشبه المرأة بالبونبونة المغلفة، وتدعو لترك المواقع الاباحية.. سببا قويا في انصلاح حال الشباب، وانها ستحمي الجميع وتهديء نار المجتمع ـ ـ بمعنى أن تتحول حادثة في الشارع لفتاة تستخدم عصا مكهربة في شجارها، إلى وصلة ردح وتشهير بها بعد أن ادعت أنها ابنة عميد شرطة، وبعد أن يتضح ان هذا غير صحيح، نجد من يلخص القضية في ابعاد أخلاقية متصلة بالفتاة وسوء أدبها.. وذلك بعيدا عن مشاكلنا الحقيقية مثل غياب الحل او معرفة التصرف السليم حين نقع في هذا المأزق لحظة تصادم سيارتان.. فهربنا من الحل إلى اللغو والتفاهة
ـ ـ ـ بمعى أن تختفي أسباب قضية التحرش وكيفية مواجهتها لتتحول إلى حالة إعلامية تتمحور حول فتاة، وتتعالى صيحات التخنث تارة، وصيحات ادعاء السذاجة والاتكال على صورة جان دارك المصرية ـ أو حتى الاسرائيلية ـ تارة أخرى، ويغيب التعامل الجذري إلى الأبد، ويظل الأمر على ما هو عليه --
المشكلة الحقيقية.. أنه لن يظهر من بيننا لا مصلح ولا نبي، ولا حتى أربعيني أسمر يحاول طرح فكرة التغيير، لأننا تقريبا اخترنا التفاهة مهربا من التفكير في جذور مشاكلنا اللانهائية